لواء زغلول يكتب:حرب الظلال الكبرى •• تصدّع حلف الناتو وصعود تحالفات جديدة في مواجهة إيران
أوروبا تتردد •• واشنطن تضغط وإسرائيل توظف الفوضى
بقلم لواء د. أحمد زغلول مهران
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية
في لحظات التحولات الكبرى لا تُقاس الأحداث بحجم المعارك وحدها بل بقدرتها على إعادة تشكيل موازين القوى في العالم وما تشهده الساحة الدولية اليوم من تصاعد المواجهة مع إيران لا يمكن اعتباره مجرد صراع عسكري عابر بل هو اختبار حقيقي لصلابة التحالفات الغربية وقدرتها على التماسك أمام الأزمات الكبرى فبين اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو توسيع دائرة المواجهة وتردد العواصم الأوروبية في الانخراط في حرب مفتوحة تتكشف ملامح مرحلة دولية جديدة عنوانها تبدل التحالفات وصعود الحسابات الوطنية الضيقة على حساب الالتزامات الجماعية وفي قلب هذه المعادلة تقف منطقة الشرق الأوسط التي قد تتحول مرة أخرى إلى مسرح لصراع استراتيجي يعيد رسم خرائط النفوذ في العالم .
أولاً : استراتيجية واشنطن •• الحرب كأداة لإعادة ترتيب المنطقة
منذ اندلاع المواجهة مع إيران سعت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب إلى حشد دعم دولي واسع لتأمين الممرات البحرية الحيوية في الخليج وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم غير أن القراءة المتأنية للموقف الأمريكي تكشف أن أهداف واشنطن تتجاوز مجرد الرد العسكري لتشمل مجموعة من الحسابات الاستراتيجية أبرزها :
- إعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية على أمن الخليج .
- تقليص النفوذ الإيراني في المنطقه .
- تعزيز التحالف العسكري مع إسرائيل .
- توجيه رسالة ردع إلى القوى الدولية المنافسة .
لكن هذه الاستراتيجية اصطدمت بواقع سياسي مختلف حيث لم يبدِى الحلفاء الأوروبيون الحماسة المتوقعة للمشاركة في حرب قد تتسع تداعياتها إلى ما هو أبعد من حدود الشرق الأوسط .
ثانياً : أوروبا المتحفظة •• بداية شرخ داخل شمال الأطلنطى
الموقف الأوروبي في هذه الأزمة كشف عن حالة واضحة من التردد والقلق إزاء الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران .
فقد أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن بلاده لن تشارك في أي عمليات عسكرية ضد إيران مؤكداً أن مثل هذه المواجهة لا تندرج ضمن الالتزامات الدفاعية لحلف شمال الأطلنطى .
ويعكس هذا الموقف إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن الحرب قد تتحول إلى صراع طويل الأمد يهدد الاقتصاد العالمي ويعرض أمن الطاقة لمخاطر كبيرة .
أما في إسبانيا فقد اتخذ رئيس الوزراء بيدرو سانشيز موقفاً أكثر وضوحاً حيث أعلن رفض مشاركة بلاده في أي عمليات عسكرية في الخليج مؤكداً أن الحل العسكري لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة وفتح الباب أمام مزيد من الفوضى الإقليمية .
وتشير هذه المواقف إلى بداية تصدع سياسي داخل حلف الناتو قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على مستقبل التحالف الغربي .
ثالثاً : تحالف السبع •• القوة التي تتشكل بعيداً عن الأضواء
في ظل هذا التردد الأوروبي بدأت تظهر في الأوساط السياسية والعسكرية مؤشرات على تشكيل تحالف عسكري محدود يضم سبع دول لدعم العمليات العسكرية في الخليج وتأمين الملاحة الدوليه ورغم أن أسماء هذه الدول لم تُعلن رسمياً فإن التقديرات الاستراتيجية تشير إلى احتمال أن يضم هذا التحالف :
- الولايات المتحدة الأمريكية
- إسرائيل
- المملكة المتحدة
- عدداً محدوداً من الدول الأوروبية المتحالفة مع واشنطن و بعض القوى البحرية الحليفة .
ويعكس هذا التوجه تحولاً مهماً في التفكير العسكري الأمريكي يقوم على الاعتماد على تحالفات صغيرة ومرنة بدلاً من التحالفات الكبرى التي قد تُعيق سرعة اتخاذ القرار .
رابعاً : صمود إيران •• استراتيجية النفس الطويل
على الرغم من الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة فإن إيران ما زالت تحافظ على قدر من التوازن الاستراتيجي مستفيدة من عدة عناصر قوة من بينها :
- القدرة على التأثير في أمن الملاحة في مضيق هرمز .
- شبكة نفوذ إقليمي ممتدة في عدد من بؤر التوتر .
- منظومات صاروخية قادرة على إطالة أمد المواجهة .
ومن هنا يبدو أن طهران تراهن على تحويل الحرب إلى معركة استنزاف طويلة تراهن فيها على عامل الزمن وتباين مواقف القوى الدولية .
خامساً : إسرائيل •• المستفيد الاستراتيجي من استمرار الأزمة
في خضم هذه التطورات تبدو إسرائيل أحد أبرز المستفيدين من استمرار التوتر الإقليمي فالحرب حتى وإن لم تحقق حسماً سريعاً تمنح تل أبيب عدة مكاسب استراتيجية من أبرزها :
- إضعاف النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط .
- تعزيز التعاون العسكري مع الولايات المتحدة .
- إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية .
- تحويل الاهتمام الدولي بعيداً عن ملفات أخرى في المنطقة .
غير أن هذه المكاسب قد تتحول إلى تحديات معقدة إذا اتسعت رقعة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى .
سادساً : العالم العربي أمام معادلة دقيقة
في ظل هذا المشهد المعقد تجد الدول العربية نفسها أمام مشكلة سياسية شديدة الحساسية حيث قد تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى .
ومن هنا تبرز أهمية صياغة رؤية عربية متماسكة توازن بين حماية المصالح الوطنية والحفاظ على الاستقرار الإقليمي .
توصيات استراتيجية للدول العربية
١- التمسك بسياسة الحياد الاستراتيجي وتجنب الانخراط المباشر في الصراع .
٢- تعزيز التنسيق العربي المشترك لمنع انتقال المواجهة إلى داخل المنطقة .
٣- تأمين الممرات البحرية الحيوية في الخليج والبحر الأحمر لضمان استقرار أسواق الطاقة .
٤- تشجيع المسارات الدبلوماسية التي قد تسهم في احتواء التصعيد العسكري .
٥- العمل على بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقلالية تقلل الاعتماد على القوى الدولية .
فى النهايه •• تشكيل شرق أوسط جديد
إن المواجهة الدائرة اليوم ليست مجرد صراع عسكري محدود بل هي جزء من عملية إعادة تشكيل للنظام الدولي الذي بدأت ملامحه تتغير في السنوات الأخيرة فبين إصرار واشنطن وتردد أوروبا وصمود إيران واستثمار إسرائيل للأحداث تتبلور معادلة سياسية جديدة قد تعيد رسم توازنات الشرق الأوسط لعقود مقبلة وقد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس من سينتصر في هذه الحرب بل كيف سيبدو الشرق الأوسط بعد أن تنتهي .




.jpg)
-10.jpg)
-1.jpg)